فصل: فصل في آثار الكبر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.فصل في آثار الكبر:

وللكبر آثار تظهر عَلَى الجوارح كُلّهَا تدور حول ذَلِكَ النظر، فترى المتكبر إن سمح بممشاه مَعَ النَّاس يكون متقدماً عَلَيْهمْ، حريصاً جداً أن يكونوا كلهم خلفه، وتراه إن جلس معهم ورضي أن يكونوا جلساءه، محتفظاً بصدر المجلس مستقلاً به ويسره أن يصغوا إلي كلامه، ويؤلمه كلام غيره وتجده ينتظر من النَّاس أن يتلقوا كلامه بالقبول والتصديق.
وَمُسْتَعْبَدٍ إِخْوَانَهُ بِثَرَائِهِ ** لَبِسْتُ لَهُ كِبْراً أَبَرَّ عَلَى الكِبْرِ

وَقَدْ زَادَنِيْ تِيْهَاً عَلَى مُتَكَبِّرٍ ** أَرَانِيَ أَغْنَى وَإِنْ كُنْتُ ذَا فَقْر

آخر:
حَجَابٌ وَإِعْجَابٌ وَفَرْطُ تَصَلُّفٍ ** وَمَدُّ يَدٍ نَحْوَ العُلَى بِتَكَلُّفِ

ولَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وَرَاءِ كِفَايَةٍ ** عَذَرْنَا وَلَكَنْ مِنْ وَرَاءِ تَخَلُفِ

آخر:
يَا قَلْيلَ القَدْرِ مَوْفُورَ الصَّلَفْ ** والَّذِي فِي التِيْهِ قَدْ حَازَ السَّرَفْ

كُنْ لَئِيْمَاً وَتَوَاضَعْ تُحْتَمَلْ ** أَوْ سَخِيَاً يُحْتَمَلْ مِنْكَ الصَّلَفْ

آخر:
فَخَرٌ بِلاَ حَسَبٍ عُجْبٌ بِلاَ أَدَبِ ** كِبْرٌ بِلاَ نَشَبٍ هَذَا مِنَ العَجَبِ

آخر:
الْمَرُء يُعْجِبُنِيْ وَمَا كَلمتُهُ ** ويُقَالُ لِيْ هَذَا اللَبِيْبُ اللَّهْذَمُ

فَإِذَا قَدَحْتُ زِنَادَهُ وَوَرَيْتَهُ ** فِي الكَفِّ زَافَ كَمَا يَزْيِفُ الدِرْهَمُ

ومن آثار الكبر: تصعير الخد، والنظر شزراً، وإطراق رأسه، وجلوسه متربعاً أو متكئاً.
وتظهر آثار الكبر أيضاً فِي أقوال المتكبر حتي فِي صوته ونغمته وصيغة كلامه فِي الإيراد وقيل لأحمق تكبر وقام ساخطاً عَلَى أستاذه لماذَا قمت فَقَالَ دخلت ولم يحترمني وجلست فلم يكرمني ولم يدر من أَنَا واستشهد بقول الشاعر:
ولَوْ كَانَ إِدْرَاكُ الهُدَى بِتَذَلُلٍ ** رَأَيْتُ الهُدَى أَنْ لاَ أَمِيْلَ إِلى الهُدَى

آخر:
كَالثَّوْرِ عَقْلاً وَمِثْلُ التَّيِسِ مَعْرِفَةً ** فَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والفَنَدِ

الجَهْلُ شَخْصٌ يُنَادِي فَوْقَ هَامَتِهِ ** لاَ تَسْأَلِ الرَّبْعَ مَا فِي الرَّبْعَ مِنْ أَحَدِ

آخر:
وَمَنْ أمَنَ الآفَاتِ عُجْباً بِرَأْيِهِ ** أَحَاطَتْ بِهِ الآفَاتُ مِنْ حَيْثُ يَجْهَلُ

آخر:
وَمَا رَفَعَ النَفْسَ الوَضِيْعَةَ كَالتُقَى ** وَلاَ وَضَعَ النَّفَسَ الرَّفِيعَةَ كَالكُفْر

ويظهر أيضاً أثر الكبر فِي مشيه وتبختره وقيامه وجلوسه وحركاته وسكناته وفِي تعاطيه لأفعاله، وفِي سائر تقلباته فِي أحواله وأقواله وأعماله.
وفِي كتاب الخمول والتواضع لابن أبي الدُّنْيَا عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نَحْنُ مَعَ الحسن، إذ مر عَلَيْهِ ابن الأهتم يريد المنصور وعَلَيْهِ جباب خز، قَدْ نضد بعضها فوق بعض عَلَى ساقه، وانفرج عنهَا قباؤه وهو يمشي ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فَقَالَ: أف أف، شامخ بأنفه ثاني عطفه، مصعر خده، ينظر فِي عطفِيه أي حميق ينظر فِي عطفِيه فِي نعم غَيْرَ مشكورة ولا مذكورة، غَيْرَ المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها وَاللهِ أن يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج تلجلج المجنون فِي كُل عضو منه نعمة وللشيطان بِهَا لعنة، فسمعه ابنُ الأهتم، فرجع يعتذر إليه، فَقَالَ: لا تعتذر إليَّ وتب إلي ربك، أما سمعت قول الله تعالى: {وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً}.
ورأي ابن عمر رجلاً يخطر فِي مشيته فَقَالَ: إن للشياطين إخواناً.
وروي عن عَلَى بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: من أراد أن ينظر إلي رجل من أَهْل النار فلينظر إلي رجل قاعد وبين يديه قوم قيام، وَقَالَ أنس: لم يكن شخص أحب إليهم من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وكَانُوا إِذَا رأوه لم يقوموا لَهُ لما يعلمون من كراهته لذلك.
ومن آثار الكبر أن المتكبر يحرص جداً عَلَى أن يمشي معه غيره ويكون الماشي معه خلفه، وكَانَ عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده إذ كَانَ لا يظهر فِي صورة ظاهرة، ومشي قوم خلف الحسن البصري فمنعهم، وكَانَ صلى الله عليه وسلم فِي بعض الأوقات يمشي مَعَ بعض أصحابه فيأمرهم بالتقدم ويمشي فِي غمارهم، إما لتعليم غيره أو لينفِي عن نَفْسه وساوس الشيطان بالكبر والإعجاب.
ومن آثار الكبر أن يستنكف من جلوس غيره معه بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه، والتواضع خلافه، ومنها أن لا يتعاطي شغلاً فِي بيته، وقَدْ كَانَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كما روت عَائِشَة – فِي مهنة أهله يعني خدمتهم، من آثار الكبر أن لا يحمل متاعه إلي بيته ولَوْ كَانَ لا يثقله، وَهُوَ خلاف التواضع، فقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يفعل ذَلِكَ، وَقَالَ عَلَى كرم الله وجهه: لا ينقص الرجل الكامل من كماله من شَيْء إلا عياله، وكَانَ أبو عبيدة يحمل سطلاً لَهُ من خشب إلي الحمام وَهُوَ أمير.
وَقَالَ ثابت بن مالك: رَأَيْت أبا هريرة أقبل من السوق يحمل حزمة حطب وَهُوَ يومئذ خليفة لمروان، فَقَالَ أوسع الطَرِيق للأمير يا ابن مالك، وعن الأصبغ بن نباتة قال: كأني أنظر إلي عمر رَضِيَ اللهُ عنهُ معلقاً لحماً فِي يده اليسري وفِي يده اليمني الدرة يدور فِي الأسواق حتي دخل رحله، وَقَالَ بَعْضهمْ رَأَيْت علياً رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ اشتري لحماً بدرهم فحمله فِي ملحفته، فقُلْتُ لَهُ أحمل عنكَ يا أمير الْمُؤْمِنِين، فَقَالَ لا، أبو العيال أحق أن يحمل.
وروي أن عمر بن عَبْد الْعَزِيز أتاه ليلة ضيف وكَانَ يكتب فكاد السراج يطفأ، فَقَالَ الضيف: أقوم إلي المصبح فأصلحه فَقَالَ: لَيْسَ من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه، قال: أفأنبه الغلام؟ فَقَالَ: هِيَ أول نومة نامها. فقام فأخذ البطة فملأ المصباح زيتاً، فَقَالَ الضيف: قمت أَنْتَ بنفسك يا أمير المؤمنين! فَقَالَ: ذهبت وأنَا عمر ورجعت وأنَا عمر ما نقص مني شَيْء وخَيْر النَّاس من كَانَ عِنْدَ الله متواضعاً ومن آثار الكبر تطويل الشارب الضي يسمي شنبات كأنها ريش الجعل إِذَا ابتدأ بالطيران أو نزل قبل أن يدخله، قال الله تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً}.
وكَذَلِكَ إمالة العقال إلي الجبهة أو إلي جانب الرأس.
ومن آثاره إسبال الثياب والتفاخر بها.
وحكي أن مطرف بن عَبْد اللهِ بن الشخِّيْر نظر إلي المهلب بن أبي صفرة وعَلَيْهِ حلة يسحبِهَا ويمشي الخيلاء، فَقَالَ مطرف: يا عَبْد اللهِ ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله فَقَالَ المهلب: أما تعرفني وتنهاني مِمَّا رَأَيْت فَقَالَ: بل أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحشوك فيما بين ذَلِكَ بول وعذرة، قال بعضهم.
يَا مَنْ تَلَبَّسَ أَثْوَاباً يَتِيْهُ بِهَا ** تِيْهَ المُلُوكِ عَلَى بَعْضِ المَسَاكِيْنِ

مَا غَيْرَ الجُلُّ أَخْلاَقَ الحَمِيْرِ وَلاَ ** نَقْشُ البَرَاذِعِ أَخْلاَقَ البَرَاذِيْنِ

آخر:
مَليءٌ بِبَهْرٍ وَالتِفَاتَ وَسَعْلَةِ ** وَمَسْحَةِ عُثْنُوْنٍ وَفَتْلِ الاصَابِعِ

آخر:
أَيُهَا المُدَعِي الفِخَارَ دَعِ الفَخُـ ** رِ لِذِيْ الكِبْرِيَاءِ وَالجَبَرُوْتُ

نَسْجُ دَاوُوْدُ لم يُفِدْ لَيْلَةَ الغَا ** رِ وَكَانَ الفِخَارِ لِلْعنكَبُوتُ

وَبَقاءُ السَّمَنْدَلِ فِي لَهَبِ النَّا ** رِ مُزِيْلٌ فَضِيْلَةَ اليَاقُوتُ

يَا مُظْهِرَ الكِبْرِ إِعْجَاباً بِصُورَتِهِ ** انْظُرْ خَلاَكَ فَإِنَّ النَّتْنَ تَثْرِيْبُ

لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِي مَا فِي بُطُونِهِمْ ** مَا اسْتَشْعَرَ الكِبْرَ شُبَّانُ وَلاَ شِيْبُ

هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ مِثْلَ الرَّأْسِ مَكْرُمَةً ** بِأَرْبَعٍ هُوَ فِي الاقْدَارِ مَضْرُوْبُ

أَنْفٌ يَسِيْلُ وَأُذْنٌ رِيْحُهَا سَهِكٌ ** وَالعَيْنُ مُرْفَضَّةٌ وَالثَّغْرُ مَلْعُوْبُ

يَا ابْنَ التُّرَابِ وَمَأكُوْلَ التُرَابِ غَداً ** اقْصُرْ فَإِنَّكَ مَأْكُوْلٌ وَمَشْرُوْبُ

ومن آثاره: جعل خاتم ذهب أو ساعة فيها ذهب. ومن آثار الكبر جعل الكبكات فِي أكمام الثياب، وَقَالَ زيد بن وهب: رَأَيْت عُمَر بن الْخَطَّاب رَضِيَ اللهُ عنهُ خرج إلي السوق، وبيده الدرة، وعَلَيْهِ إزاره فِيه أربع عشرة رقعة بعضها من جلد وعوتب عَلَى كرم الله وجهه فِي إزار مرقوع، فَقَالَ: يقتدي به المُؤْمِن ويخشع لَهُ القلب. أين هؤلاء من أَهْل زماننا المظلم. ومن آثار الكبر: الأكل أو الشرب باليسار وَهُوَ خلاف السنة والعقل والأدب. فإن اليسار لما يستكره كالاستجمار والاستنجَاءَ والتمخط وإخراج ما فِي الأنف. أو فِي الجروح من صديد وغسل الأوساخ والنجاسات، أو لما يحرم ويستقذر كالدخان والخمر، وإليمني عَلَى العكس للأكل والشراب والتسوك والتطيب، وتقديمها للسلام وللمناولة ونحو ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لائق بها.
وَتَاهَ سَعِيْدٌ أَنْ أُفِي د وِلاَيَةً ** وَقُلِّدَ أَمْراً لم يَكُنْ مِنْ رِجَالِهِ

وَأَدْبَرَ عَنِّي عِنْدَ إِقْبَالِ حَظِهِ ** وغَيْرَ حَالِيْ عِنْدَهُ حُسْنُ حَالِهِ

وَضَاقَ عَلَى حَقّي بِعُقْبِ اتَّسَاعِهِ ** فَأَوْسَعْتُهُ عُذْراً لِضِيْقِ احْتِمَالِه

وقَدْ يصل الكبر ومثله العجب – بصاحبه إلي أن يورده موارد الكفر برب العالمين، كما حصل للمتكبرين عَلَى الله ورسله، فمن ذَلِكَ ما روي أن رجلاً كَانَ جالساً فِي طَرِيق فمرت به امرأة فقَالَتْ: يا عَبْد اللهِ كيف الطريق؟ فَقَالَ يا هناة أمثلي يكون من عبيد الله؟ وخطب رجل آخر فِي النَّاس، فَلَمَّا انتهي من خطبته قال لَهُ بعض الناس. أكثر الله من أمثالك فَقَالَ لهُمْ: لَقَدْ كلفتم الله شططا. أي أمراً بعيداً ومشقاً نعوذ بِاللهِ تعالى من حاله. وحالة أمثاله قللهم الله فِي المُسْلِمِيْنَ.
وآخر أضل راحلته فالتمسها فلم يجدها فَقَالَ: إن لم يرد الله إلي راحلتي لا صليت لَهُ صلاة أبداً، فالتمسها النَّاس فوجدوها، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ رد الله عَلَيْكَ راحلتي فصل، فَقَالَ: إن يميني يمين مصر، كأنه يهدد الله، نعوذ بِاللهِ من ذَلِكَ وآخر دخل مسجد البصرة فبسط ناس لَهُ أرديتهم تعظيماً لَهُ، فمشي عَلَيْهَا وَقَالَ لرجل يماشيه: {لمثل هَذَا فليعمل العاملون} اقتباساً من آية الصافات، إلي هَذَا الحد يصل الكبر بأهله قال ابن القيم رَحِمَهُ اللهُ:
وَسَلِ العِيَاذَ مِنَ التَّكَبُرِ والهَوَى ** فَهُمَا لِكُلِ الشَّرِ جَامِعَتَانِ

وَهُمَا يَصُدَانِ الفَتَى عن كُلِّ طُرْ ** قِ الْخَيْر إِذْ فِي قَلْبِهِ يَلِجَانِ

فَتَراهُ يَمْنَعُهُ هَوَاهُ تَارَةً ** والكِبْرُ أُخْرَى ثُمَّ يَجْتَمِعَان

وَاللهِ مَا فِي النَّارِ إلا تَابِعٌ ** هَذَيْنِ فَاسْألْ سَاكِنِي النِيْرَان

آخر:
قَدْ يَطْفَحُ اللُّؤْمُ حَتَى إِنَّ صَاحِبِهِ ** يَنْسَي الحَيَاةَ فَيَغْدُ يَدَعِي الكَرَمَا

إِنَّ الجَهَالَةَ إِنْ كانَتْ قَذَى بَصَرٍ ** رَأى الضَلاَلَ هُدَىً واسْتَسْمَنَ الوَرَمَا

كم مِنْ أَرَاذِلَ أَطْغَتْهَا سَفَهَاتُّهَا ** حَتَى إدَّعَتْ وَهِيَ أَذْنَاباً لَهَا الشَمَمَا

إِنْ عُدَّتْ الوَحْشُ مَا عُدَّتْ وَلاَ بَقَرٌ ** أَوْ عُدَّتْ الطَيْرُ مَا عُدَّتْ وَلاَ رَخَمَا

وَالنَّاسُ كَالنَّاسِ فِي خَلْقٍ وَبَيْنَهُمُوْا ** فِي الخُلْقِ بُوْنٌ فَذَا أرْضٌ وَذَا سَمَا

ونصيب المتكبر من النَّاس أن يزدروه ويحتقروه ويمتهنوه ويمقتوه، ويعملوا خلاف ما يفهمون أنه يحبه مِنْهُمْ حتي يدعوه يغلي من معاملتهم غيظاً وحقداً، ولَوْ أمكن النَّاس أن يجعلوا المتكبر دائماً فِي غموم وهموم لما تأخروا عن ذَلِكَ، فالنَّاس لّهُمْ كرامة يفعلون بمن يكرهونه من أجل أنه يحتقرهم ويمتهن كرامتهم ويري نَفْسهُ فوقهم فهم يدركون أنه لئيم لا يتوضع إلا إِذَا أهنته ولا يعرف نَفْسهُ إلا إِذَا احتقرته وعاملته مثل معاملته وأنه ينطبق عَلَيْهِ قول الشاعر:
فِي النَّاس مَنْ لاَ يُرْتَجَى نَفْعُهُ ** إلا إِذَا مُسَّ بِأَضْرَارِ

كَالعُودِ لاَ تَطْمَعُ فِي رِيْحِهِ ** إلا إِذَا أُحْرِقَ بِالنَّارِ

آخر:
يَا مَنْ تَبَرَّمَتِ الدُّنْيَا بِطَلْعَتِهِ ** كَمَا تَبَرَّمَتِ الأجْفَانُ بِالسُّهُدِ

يَمْشِي عَلَى الأرض مُخْتَإلا فَأحْسِبُهُ ** لِثِقْلِ طَلْعَتِهِ يَمْشِي عَلَى كَبِدِي

آخر:
لاَ تَلْطَفَنَّ بِدِي لُؤْمٍ فَتُطْغِيَهُ ** أَغْلَظْهُ يَأْتِيَكَ مِطْوَاعاً وَمِذْعَانَا

إِنَّ الحَدِيْدَ تُليْنُ النَّارُ قَسْوَتَهُ ** ولَوْ صَبَبَتْ َعَلَيْهِ البَحْرَ مَا لاَنَا

آخر:
الكَلْبُ إِنْ جَاعَ لم يُعْدِمْكَ بَصْبَصَةً ** وَإِنْ يَنَلْ شِبْعَةٍ يَنْبَحْ عَلَى الاثَرِ

آخر:
أَهِنْ عَامِراً تَكْرُمْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ** أَخُوْ عَامِرٍ مَنْ مَسَّهُ بِهَوَان

آخر:
إِنَّ ذَا اللُّؤْمِ إِذَا أَكْرَمْتَهُ ** حَسِبَ الاكْرَامَ حَقاً لِزمَكْ

فَأَهِنْهُ إِنَّهُ مِنْ لُؤْمِهِ ** إِنْ تَسُمْهُ بِهَوَانٍ أَكْرَمَكْ

آخر:
اثْنِانِ بُغْضُهُمْ غَالِباً عِنْدَ الكَثِيْرِ ** مُتَكَبِرُ فِي نَفْسِهِ وَبَخْيِلُ

وأما نصيب المتكبر من الله فكما سمعت من الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي إِذَا سمعها المتواضع الموفق فتش عَلَى نَفْسهُ خشية أن يكون قَدْ دخل عَلَيْهِ الكبر وَهُوَ غَافِل عنه.
عَجِبْتُ لِمَا تَتَوْقُ النَّفْسُ جَهْلاً ** إِلَيْهِ وَقَدْ تَصَرَّمَ لاِنْبِتَات

وَعِصْيَانِي العَذُوْلَ وَقَدْ دَعَانِي ** إِلى رُشْدِي وَمَا فِيه نَجَاتِي

أُؤَمِّلُ أَنْ أَعِيْشَ وَكُلُّ يَوْمٍ ** بِسَمْعِيْ رَنَّةٌ مِنْ مُعْوِلاَتِي

وَأَيْدِي الحَافِريْنَ تَكِلُّ مِمَّا ** تُسَوِّيْ مِنْ مَسَاكِنَ مُوْحِشَاتِ

نُرَاعُ إِذَا الجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا ** وَنَسْكُنُ حِيْنَ تَخْفَى ذَاهِبَاتِ

كَرَوْعَةِ ثُلَّةٍ لِظُهُورِ ذِئْبٍ ** فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ

فَإِنْ أَمَّلْتَ أَنْ تَبْقَى فَسَائِلْ ** بِمَا أَفْنَى القُرُوْنَ الخَالِيَاتِ

فكم مِنْ ذِي مَصَانِعَ قَدْ بَنَاهَا ** وَشَيَّدَهَا قَلِيْلُ الخَوْفِ عَاتِي

قَلِيلُ الهَمِّ ذِيْ بَالٍ رَخِيٍ ** أَصَّمَ عن النَّصَائِحِ والعِظَات

فَبَاتَ وَمَا يُرَوَّعُ مِنْ زَوَالٍ ** صَحِيْحَاً ثُمَّ أَصْبَحَ ذَا شِكَاتِ

فَبَاكَرهُ الطَّبِيْبُ فَرِيْعَ لَمَّا ** رَآهُ لاَ يُجِيْبُ إَلى الدُّعَاةِ

فَلَوْ أَنَّ المُفَرِّطَ وَهُوَ حَيٌ ** تَوْخَّى البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ

لَفَازَ بِغِبْطَةٍ وَأَصَابَ حَظَاً ** وَلم يَغْشَ الامُوْرَ المُوْبِقَاتِ

فَيَالَكِ عِنَدَهَا عِظَةً لِحَيٍ ** وَيَا لَكِ مِنْ قُلُوبٍ قَاسِيَاتِ

وَكُلُ أَخِي ثَرَاءٍ سَوْفَ يُمْسِي ** عَدِيمَاً والجَمِيْعُ إِلى شَتَاتِ

كَأَنْ لم يُلْفَ شَيْءٌ مَا تَقَضَّى ** وَلَيْسَ بِفَائِتٍ مَا سَوْفَ يَأْتِي

اللَّهُمَّ إنَا نعوذ بك من سوء الِقَضَاءِ وشماتة الأعداء، وعضال الداء، وخيبة الرجَاءَ وزَوَال النعمة وفجأة النقمة، ونسألك أن تغفر لنا ولوالدينا، وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وصلى الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.
فَصْلٌ وللكبرعلاج قَدْ ذكره العلماء: أولاً أن يعرف الإنسان ربه ويعرف نَفْسهُ، فإنه إِذَا عرف ربه حق المعرفة علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بِاللهِ، وإِذَا عرف نَفْسهُ علم أنه ضعيف ذليل لا يليق به إلا الخضوع لله والتواضع والذلة، قال الله تعالى: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ}.
وَقَالَ تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} ففِي الآيات الإشارة إلي خلق الإنسان وإلي آخر أمره وإلي وسطه، أما أوله فهو أنه لم يكن شيئاً مذكوراً وقَدْ كَانَ فِي حيز العدم دهوراً، ثُمَّ خلقه العزيز الحكيم من تراب ثُمَّ من نطفة ثُمَّ من علقة ثُمَّ من مضغة ثُمَّ جعله عظاماً ثُمَّ كسا العظام لحماً، فقَدْ كَانَ هَذَا بداية وجوده أولاً جماداً لا يسمَعَ ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم، كَذَا خلقه الله.
ثُمَّ امتن عَلَيْهِ فَقَالَ: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} أي بينه وأوضحه وسهله، كما فِي قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} فالله جَلَّ وَعَلا هُوَ الَّذِي أحيا الإنسان بعد أن كَانَ جماداً ميتاً، تراباً أولاً ونطفة ثانياً، وأسمعه بعد أن كَانَ أصم وبصره بعد ما كَانَ فاقَدْ البصر، وقواه بعد الضعف، وعلمه بعد الجهل، كما قال تعالى: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
فمن كَانَ هَذَا أوله، وهذه أحواله، فمن أين لَهُ البطر والأشر والكبرياء والخيلاء؟ وَهُوَ الضعيف الحقير بِالنِّسْبَةِ إلي قدرة البارئ جَلَّ وَعَلا كما قال تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ} وَقَالَ: {خلقناهم مِمَّا يعلمون} وَقَالَ: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ} فليتأمل العاقل هل يليق الكبر بمن هَذَا أوله، وآخره أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته وجماله وَجَمِيع أحواله، فيعود كما كَانَ أولاً جماداً، لا يبقي إلا شكل أعضائه وصورته فِيه ولا حركة، ثُمَّ يوضع فِيه ذَا التُّرَاب فيصير جيفة منتناً، كما كَانَ فِي الأول نطفة مذرة، تبلي أعضاؤه وتتفتت أجزاؤه، وتنخر عظامه ويصير رميماً وفاتاً ويأكل الدود أجزاءه، ويكون جيفةً يهرب منه كُلّ حيوان ويستقذره الإنسان، وأحسن أحواله أن يعود تراباً كما كَانَ، ثُمَّ يحييه الَّذِي خلقه أول مرة فيقاسي البَلاء والشدائد وأهوال المعجزات، فيخرج من قبره كما أخبر تعالى بقوله: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ} فينظر إلي قيامة قائمة، وسماء منفرجة مشققة، وأرض مبدلة، وجبال مسيرة، ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد، وجهنم تزفر قال تعالى: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} ينظر إليها المجرم فيتحسر، ويري صحائف منشورة، فَيُقَالُ: {اقْرَأْ كَتَابَكَ} فِيه جَمِيع عمله من أوله إلي آخره: {يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} قال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}، وَقَالَ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}.
فما لمن هَذَا حاله ومآلهُ والتكبر والتعاظم والتجبر، بل مآله وللفرح فِي لحظة واحدة، فضلاً عن الأشر والبطر، قال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولما تلذذتم بالنساء عَلَى الفرش». فهَذَا من أحسن الطرق لتذليل النفس وحملها عَلَى الخضوع التواضع لله الَّذِي لَهُ الكبرياء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم.
وأما العلاج الثاني فهو: التواضع لله بالْفِعْل ولسائر الخلق بالمواظبة عَلَى أَخْلاق المتواضعين المتبعين لطريقة سيد المرسلين ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركوع والسجود «إنما أَنَا عبد آكل كما يأكل العبد» وقَدْ ذكرنا نموذجاً من تواضعه صلى الله عليه وسلم فِي فضل التواضع من أحب الزيادة فيرجع إليه قال بعض من رضي بالكفاف وقنعه الله بما آتاه ومن عَلَيْهِ بالتواضع.
أَيَا لاَئِمِي مَالِي سِوَى البَيْتِ مَوْضِعٌ ** أَرَى فِيه عِزاً إِنَّهُ لِي أَنْفَعُ

فِرِاشِي وَنَطْعِي فَرْوَتِي فَرَجِيْتِي ** لِحَافِي وَأَكْلِيْ مَا يَسُدُ وَيُشْبِعُ

وَمَرْكُوْبِيَ الآنَ الأتَانُ وَنَجْلُهَا ** لأَخَلاَقِ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالعِلْمِ أَتْبَعُ

وَقَدْ يَسَرَ اللهُ الكَرِيْمُ بِفَضْلِهِ ** غِنَى النَّفْسِ مَعَ شَيْءٍ بِهِ أَتَقَنَّعُ

أوْفِرُهُ لِلأَهْلِ خَوْفاً يَرَاهُمْ ** عَدُوٌ بِعَيْشٍ ضَيِّقٌ فَيُشَنَّعُ

وَأصْبِرُ فِي نَفْسِي عَلَى مَا يَنُوْبُنِي ** وَأَطْلُبُ عَفْوَ اللهِ فَالعَفْوُ أَوْسَعُ

وَمَا دُمْتُ أَرْضَى بِاليَسِيْرِ فَإِنَّنِي ** غَنِيٌ لِغَيْرِ اللهِ مَا كُنْتُ أَخْضَعُ

وَرَبِّيَ قَدْ آتَانِي الصَّبْرَ وَالغِنَى ** عن النَّاسِ فِي هَذَا لِيَ العِزُ أَجْمَعُ

وَقَدْ مَرَّ مِنْ عُمْرِي ثَلاَثٌ أَعُدُّهَا ** وَسِتُونَ فِي رَوْضٍ مِنَ اللُّطْفِ أَرْتَعُ

وَوَجْهِيَ مِنْ ذُلِّ التَّبَذُلِ مُقْفِرٌ ** مُقِلٌ وَمِنْ عِزِّ القَنَاعَةِ مُوْسَعُ

وَمِنْ حُسْنِ ظَنِّي أَنَّ ذَا يَسْتَمِرُ لِي ** إِلى المَوْتِ إِنَّ اللهَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ

وَإِنَّيَ لاَ أَلْجَأُ إِلى غَيْرِ بَابِهِ ** فَأَبْقَى كَمَا قَدْ قِيْلَ وَالقَوْلُ يُسْمَعُ

نُوقِّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيْقِ دِيْنِنَا ** فَلاَ دِيْنُنَا يَبْقَى وَلاَ مَا نُرَقِعُ

فَطُوْبَى لِعَبْدٍ آثَرَ اللهَ رَبَّهُ ** وَجَادَ بِدُنْيَاهُ لِمَا يُتَوْقَّعُ

اللَّهُمَّ انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، ووفقنا للعمل بما فهمتنا، اللَّهُمَّ إن كنا مقصرين فِي حفظ حقك، والوفاء بعهدك، فأَنْتَ تعلم صدقنا فِي رجَاءَ رفدك، وخالص ودك، اللَّهُمَّ أَنْتَ أعلم بنا منا، فبكمال جودك تجاوز عنا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِيْنَ، الأحياء مِنْهُمْ والميتين، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصلى الله عَلَى مُحَمَّد وعَلَى آله وصحبه أجمعين.